ابن قيم الجوزية
267
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
فصل وأما إزاغة القلوب فقال تعالى : فَلَمَّا زاغُوا أَزاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ( 5 ) [ الصف ] وقال عن عباده المؤمنين أنهم سألوه ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا . وأصل الزيغ الميل ، ومنه : زاغت الشمس إذا مالت ، فإزاغة القلب إمالته ، وزيغه ميله عن الهدى إلى الضلال ، والزيغ يوصف به القلب والبصر كما قال تعالى وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ( 10 ) [ الأحزاب ] . وقال قتادة ومقاتل : شخصت فرقا ، وهذا تقريب للمعنى ، فإن الشخوص غير الزيغ ، وهو أن يفتح عينيه ، ينظر إلى الشيء ، فلا يطرق ، ومنه : شخص بصر الميت . ولما مالت الأبصار عن كل شيء ، فلم تنظر إلا إلى هؤلاء الذين أقبلوا إليهم من كل جانب ، اشتغلت عن النظر إلى شيء آخر ، فمالت عنه ، وشخصت بالنظر إلى الأحزاب . وقال الكلبي : مالت أبصارهم إلا من النظر إليهم . وقال الفراء : زاغت عن كل شيء ، فلم تلتفت إلا إلى عدوها متحيرة ، تنظر إليه . قلت : القلب إذا امتلأ رعبا شغله ذلك عن ملاحظة ما سوى المخوف ، فزاغ البصر عن الوقوع عليه وهو مقابله .